"طالما بقيت المسالخ موجودة،
ستبقى ساحات المعارك مستعرة."
ليو تولستوي
كل عام، يفتك البشر بما يزيد عن 150 مليار حيوان بري وبحري من أجل الغذاء، وذلك كجزء من منظومة وحشية ومضطربة تخلّف آثاراً بيئية مأساوية. بطريقة أو بأخرى، تعتبر العقلية المفترسة التي تسِم نمط حياتنا الحيواني مصدر أكبر مشاكلنا الاجتماعية والاقتصادية والبيئية على حدٍ سواء.

الأقسام |||

بؤس الطعام
قلة منا تفكر بالجانب المظلم لوجباتنا اليومية. كل عام، تذبح مئات المليارات من الحيوانات البرية والبحرية دون تفكير لإشباع رغبتنا غير الطبيعية في تناول اللحوم ومنتجات الألبان والبيض وغيرها. إن عاداتنا الغذائية الحالية تستند إلى ثقافة السيطرة التي تشكّل حاجزاً ما بيننا وبين القيم الأساسية التي تشكّل جوهر إنسانيتنا، وتخلق عقلية مفترسة تحوّلنا من مخلوقات واعية وحساسة إلى مجرّد جمادات. وإذا ما تمعنّا في ذلك بصورة أعمق، ندرك بأن تأثير هذا الانتهاك الجوهري يطال كل جانب من جوانب حياتنا، وفيه يكمن جذر سبب عدم قدرتنا المزمنة على الخروج من مآزقنا الفكرية المتعددة، ومنه انبثقت حضارة عالمية مدمرة تدفع بنفسها وبالكوكب، عن غير وعي أو شعور، إلى هلاك حتمي.
التّبعات
فضلاً عن تعزيزها مظاهر العنف والجهل في مجتمعاتنا، تتسبّب تنشئة الحيوانات لغايات الغذاء في تدمير كوكبنا وبدرجة مفزعة، فهي لا تقتصر على كونها السبب الرئيسي في التصحر والتلوث البيئي واستنفاذ الموارد فحسب، بل تساهم أيضاً في تفاقم مشكلة الاحترار الكوني أيضاً. والأسوأ من ذلك، تستهلك تربية الحيوانات لغايات ذبحها الجزء الأكبر من مخزون العالم من الحبوب، ما يجعل منها المسبب الرئيسي للمجاعات العالمية. وفيما يُرجى أن يكون كل هذا التدمير مدفوعاً بحاجة أو فائدة ما للإنسانية، يعتبر كل هذا الاستهلاك للمنتجات الحيوانية، للأسف، غير ضروري أبداً، لا وبل سبباً أساسياً لمعظم الأمراض المزمنة والقاتلة المستشرية في عالمنا الحديث، بما في ذلك أمراض القلب والسرطان وغيرها الكثير.
السبيل للارتقاء
إن السلام العالمي يبدأ من أطباقنا، فالوحشية المتجسدة في وجباتنا اليومية تلقي بظلالها على وعينا الجمعي كمجتمع، وتؤثر في كل جانب من جوانب حياتنا اليومية. ولا شكّ في أن مواجهة هذا الأمر واتخاذ الخيار الواعي لإيجاد حلٍ له تعتبر خطوة في غاية الأهمية في سعينا لتحقيق العدالة والتناغم الاجتماعي الذي يغيب عن بالنا. إن السبيل الوحيد للارتقاء هو أن تتطور الإنسانية لتتبنّى نمط الحياة النباتي الذي من شأنه أن يوسع دائرة رأفتنا لتشمل كل المخلوقات على هذا الكوكب. إذا ما كنّا حقاً جادين في سعينا لجعل العالم مكاناً أفضل لنا ولأطفالنا، فلا بدّ لروتين قتل الحيوانات أن ينتهي. وهذه أول خطوة في درب طويل لاستعادة إنسانيتنا وإصلاح الضرر اللامتناهي الذي ألحقناه بكوكبنا.
ثقافة السيطرة
في الطريقة التي ينشأ عليها الإنسان ككائن مفترس بطبيعته، تكرّس ثقافتنا واقعاً مشوّهاً تصبح فيه الفوقية والسيطرة والعنف الممنهج نتاجاً حتمياً للتجربة الإنسانية. على نطاق صغير، تنتج هذه النظرة المشوّهة مجتمعات مضطربة بالفطرة، وتمهّد الطريق أمام بروز أنواع أخرى من التمييز، كالتمييز الجنسي والعنصري والطبقية وغيرها. أما على نطاق أوسع بكثير، فلا شكّ بأنها حولتنا إلى جنس ذاتيّ التدمير تستشري فيه الحروب وعدم التناغم المزمن.
امتهان القتل
لا يقتصر ضرر نمط حياتنا الحيواني على التسبب بمعاناة جسيمة لمليارات الحيوانات فحسب، بل لأولئك الذين يتقاضون الأجر منا للقيام بذلك أيضاً. لقد كشفت الدراسات التي تتتبّع الآثار النفسية للعمل في المسالخ عن نتائج مرعبة، فالذين يعملون فيها ليسوا عرضة لمجموعة واسعة من المخاطر الجسدية فقط، حيث تخلف التبعات النفسية لعملهم دماراً على حياتهم بصورة يتعذر إصلاحها، إذ يتمّ تدريب هؤلاء الرجال والنساء على الانفصال عن المخلوقات الحساسة التي يقومون بتعذيبها وقتلها وعدم التعاطف معها. ومن شأن حالة النشاز والسقم هذه أن تتجلى في أشكال لا تُحصى من الأمراض الاجتماعية، كالعنف المنزلي والانطواء الاجتماعي وتعاطي المخدرات والمشروبات الكحولية، بالإضافة إلى القلق الحادّ وحتى اضطرابات ما بعد الصدمة.
المنظومة الغذائية-الطبية
إن استهلاك المنتجات الحيوانية هو أحد المسببات الرئيسية للأمراض الشائعة والمزمنة في عالمنا، كأمراض القلب والبدانة والسكري والسرطان وغيرها الكثير من الأمراض التي لا تُحصى. إن ثقافتنا تقلل، وبصورة متعمّدة، من حجم العلاقة الموثّقة بينهما وتشوّهها، وتوظف أساليب خبيثة لتغييب الحقيقة والإبقاء على الأمراض منتشرة ومستفحلة. وبذلك، أصبح نمط حياتنا الحيواني القوة الرئيسية وراء منظومة صناعية هائلة تشمل صناعات اللحوم والألبان والأدوية والإعلام.
الأرض المنكوبة
يمكن القول بأن تربية المواشي تعدّ من أكثر القوى تدميراً على الكوكب، إذ تتسبب بتلوث منقطع النظير وتفريط بالموارد الثمينة. على سبيل المثال، تعتبر تربية المواشي لغايات الغذاء مسؤولة عن أكثر من ستين بالمئة من مشكلة التصحر في العالم، وهي سبعة أضعاف ما يتسبب به التمدد العمراني الحديث. كما تستهلك الماشية بغذائها وعلفها كميات كبيرة من الماء والوقود الأحفوري والمبيدات الحشرية السامة، وهي أحد أكبر مسببات مشكلة الاحترار الكوني. كما تمتدّ الآثار المدمرة لعاداتنا الغذائية لتطال عالمنا البحري، الذي يتعرض فيه النظام البيئي للاستنزاف المتواصل بسبب عمليات الصيد التجارية.
نظام خالٍ من العدل
إن إنتاج 1 كغم من اللحوم الحيوانية يتطلب حوالي 16 كغم من الحبوب، وذلك هو ما يتسبب في ذهاب ما نسبته خمسون بالمئة من الإنتاج العالمي من الذرة وحبوب الصويا والقمح ومحصول القطن (وخمسين بالمئة من السمك الذي نفرغ محيطاتنا منه) لإطعام حيوانات المزارع، بدلاً من إطعامها لـ 925 مليون شخص ممن يعانون من سوء التغذية حول العالم. في عالم يعاني فيه شخص من بين كل ستة أشخاص من الجوع كل يوم، يعتبر هذا انتهاكاً سافراً وصارخاً يلعب فيه كلٌ منا دوراً. اليوم، تحتكر تربية المواشي في العالم الثالث أفضل الأراضي المحلية، مقوّضة بذلك الإمدادات الغذائية المحلية والجهود الرامية لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
كل عام، يتمّ تربية وقتل أكثر من 70 مليار حيوان بري لغايات الاستهلاك الغذائي حول العالم.
كل عام، يتمّ نهب المحيطات من أكثر من 2,7 تريليون حيوان.
كل عام، يتمّ قتل أكثر من 65,000 دلفين وحوت وفقمة نتيجة للصيد العَرَضي من قِبل سفن الصيد حول العالم.
كل عام، يلقى أكثر من 42 مليون شخص حتفهم نتيجة أمراض مرتبطة بتناول المنتجات الحيوانية.
يتمّ إنفاق أكثر من 6,5 مليار دولار سنوياً على توفير رعاية صحية غير ضرورية حول العالم.
تتسبب تربية المواشي بهدر ما لا يقل عن 76 تريليون جالون من الماء سنويا حول العالم.
تتسبب تربية المواشي بحوالي 56 بالمئة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري حول العالم.
تستهلك تربية المواشي أكثر من 45 بالمئة من الأراضي الزراعية على الكوكب.
يتمّ إطعام حيوانات المزارع أكثر من 50 بالمئة من إمدادات العالم من الحبوب لتذهب بعدئذ للسلخ والذبح، في الوقت الذي يعاني فيه شخص واحد من كل خمسة أشخاص من سوء التغذية.
حوالي 91 بالمئة من الدمار الذي تعاني منه غابات الأمازون المطيرة سببه تربية المواشي.
أكثر من 65 بالمئة من انبعاثات أكسيد النتريك ذات الصلة بالإنسان سببها الإنتاج الحيواني.
تمّ استنزاف واستنفاذ أكثر من 75 في المئة من الثروة السمكية العالمية بسبب فرط استغلالها.
"فضلاً عن تأييد المذهب النباتي لقيم جمالية وأخلاقية، أنا أؤمن أن نمط الحياة النباتي، بتأثيره المطلق على الحالة الشعورية عند الإنسان، سيعود بفوائد جمّة على أغلب سكان الأرض."
ألبرت آينشتاين
"إن المذهب النباتي هو انفصال محمود عن عادة بربرية متأصلة. يجب حشد الجهود لإيقاف ذبح الحيوانات الغاشم والوحشي، الذي لا شكّ في أنه يدمّر أخلاقنا."
نيكولا تيسلا
"أنا أدرك جيّداً أن الارتقاء الروحي يتطلب في مرحلة معينة العزوف عن قتل غيرنا من المخلوقات لإشباع رغباتنا الجسدية."
المهاتما غاندي
"هناك الآلاف ممن يقولون بأنهم يحبون الحيوانات يستمتعون مرة أو مرتين يومياً بتناول لحوم المخلوقات التي تمّ حرمانها من كل شيء يمكن أن يمنح حياتها قيمة، وقاست معاناة مريعة وبطش المسالخ."
جين غوودول
"يجب أن نناضل ضد الوحشية المغيبة عن الوعي التي نعامل بها الحيوانات، فهي تعاني بالطريقة ذاتها التي نعاني فيها، والإنسانية الحقة لا تسمح لنا بإنزال مثل هذه المعاناة بها، ومن واجبنا أن نجعل العالم يقرّ ويعترف بذلك. وإلى أن نتمكن من توسعة دائرة رأفتنا لتشمل كل المخلوقات الحية لن تنعم الإنسانية بالسلام."
ألبرت شويتزر
"في الوقت الذي نعتبر فيه قبوراً حية للحيوانات المنحورة، كيف يمكن لنا أن نتوقع إيجاد أي ظروف مثالية على هذه الأرض؟"
جورج برنارد شو
ثورة جذرية
بالنظر إلى كل البراهين المتوافرة، يصبح من الجليّ، وبصورة مؤلمة، أن نمط الحياة النباتي هو الحلّ الوحيد لمواجهة الظرف الراهن الذي تمرّ به الإنسانية بشكل جذري، فنحن البشر عاشبون بطبيعتنا، وغير مهيّئين جسدياً أو عقلياً لافتراس الحيوانات دون مقاساة عواقب وخيمة على أجسادنا وعقولنا. إننا، وبتنصيبنا أنفسنا حماة للحرية في الوقت الذي نرتكب فيه المجازر تجاه غيرنا من المخلوقات الأخرى، مجردين من أي شعور، لا شك نقع في مطبّ النفاق الفاضح الذي يلطّخ كل جانب من جوانب حياتنا. وبالنظر إلى العمق الذي تغلغلت إليه الفرضية المغلوطة بكوننا أعلى شأناً من كل أشكال الحياة الأخرى على هذا الكوكب، فإن تبنّي نمط الحياة النباتي على نطاق واسع وأممي هو أشبه ما يكون بثورة جذرية من شأنها أن تعيد صياغة الطريقة التي نرى فيها أنفسنا والعالم من حولنا أيضاً.
ما بعد الإنكار
قال ديفيد هنري ثورو مرة: "مقابل ألف شخص يقطعون فروع الشر هناك شخص يحارب جذوره." إن مقولته هذه تنطبق كثيراً على الطريقة التي نعامل فيها الحيوانات، والتي تنبثق منها كل شرورنا دونما أي شك، فحتى الآن، يبقى العنف المتأصل في عاداتنا الغذائية وعواقبها الضارية أموراً غير مرئية لنا على الصعيد الفكري، وذلك نظراً لحجم الإنكار الذي لا يصدق الذي يلفّ الطريقة التي نرى فيها هذا الأمر. كما أن عنفنا أصبح مؤسسياً وممنهجاً، سواء من خلال الدين أو العلم أو طقوسنا الثقافية المتنوعة، لدرجة أصبح فيها ذكر الموضوع فقط يسبب إرباكاً وبلبلة أو حتى غضباً. إذا لم نكن متحضرين وجاهزين لخوض حوار صادق وصريح حول هذا الأمر، فلن تكون هناك رجعة عن درب التدمير الذاتي الذي ما زلنا نمشي فيه من قرون.
اتخاذ الإجراءات
قد تكون عملية التحول الثقافي بطيئة لكن لا مفرّ منها، وأي ثورة هادفة ذات توابع عالمية غالباً ما تبدأ على الصعيد الفردي أولاً. ومن خلال تفاديه الوقوع ضحية للقولبة الفكرية وتغييره نظرته إلى العالم والعادات التي يمارسها، يصبح الفرد أداة قوية للتحول الثقافي وتجسيد القدوة والوعي الذاتي وتوجيه الإدانة. وانطلاقاً من ذلك، يصبح نشر الوعي حول هذه القضية الهامة على النطاق المجتمعي عملية أكثر سهولة وفعالية. اليوم، تجتاح الثورة النباتية العالم مع تزايد حجم إدراك العواقب الأخلاقية والصحية البيئية لسلوكنا الفوقي تجاه الأجناس الأخرى. إن تبنّي أسلوب الحياة النباتي النابع أساساً من منطلق الرحمة هو الحل الوحيد الذي سيسمح لنا، كما قال ثورو، بمحاربة جذور الشرّ عوِضاً عن تشعباته وتفرّعاته.
نحو ثقافة الرحمة والصحة والوعي

يهدف مشروع رحمة إلى التوعية بتبعات وعواقب استعباد الإنسانية للحيوانات لغايات الغذاء وغيره. وبتوضيح العلاقة الأساسية بين سلوكياتنا تجاه الحيوانات والمأزق الفكري الذي نحن فيه، يأمل المشروع بمساعدة المجتمعات حول العالم على التقدم والارتقاء لتصبح أكثر رحمة وعافية، وتتبنّى أسلوب حياة أكثر استدامة.

الرحمة تعني الرأفة، وهي كلمة تحمل في طيّاتها دلالات نفسية وروحية جوهرية. إن جذر الكلمة، رحْم، يؤكد ارتباطها الجوهري بالمبدأ الأنثوي واقترانه بوهب الحياة والحفاظ عليها. وكمفهوم لغوي، فإن الكلمة تعني الحبّ والرعاية والتعاطف والترابط.

جعفر الرشيدات، الكاتب والناشط في مجال حقوق الحيوان من الأردن، هو مؤسس مشروع رحمة، وهو يتلقى الدعم من عدد من الناشطين المخلصين حول العالم.
Website design by Jafar Irshaidat